كشف رئيس حركة مجتمع السلم، عبد الرزاق مقري، عن "حنينه" وعشقه "الجنوني" للجيل القديم من الكرة الجزائرية في سنوات الستينيات وبداية السبعينيات، وفي مقدمتهم لالماس وبطروني وغيرهم، كما لم يخف السياسي ومناصر وفاق سطيف في الحوار الذي خصّ به "الشروق" و"بعيدا عن السياسة"، عن أمور عديدة تخص ذكرياته الرياضية في مرحلة الشباب.

 الجمهور الرياضي ربما يجهل من هو السيد عبد الرزاق مقري، هلا عرفتنا بنفسك؟

عبد الرزاق مقري، رئيس حركة مجتمع السلم منذ شهر ماي من العام 2013، أنا من مواليد 1960 بمدينة "العرقوب" بولاية المسيلة، حامل لشهادة دكتوراه في الطب، التي تعد مهنتي الأصلية، والتي زاولتها في مسقط رأسي إلى غاية سنة 1997، العام الذي تم انتخابي فيه عضوا في البرلمان، لذلك تخليت عنها على اعتبار أنه لا يسمح الجمع بين وظيفتين وبقيت في هذا المنصب إلى غاية 2007.

وماذا تعني الرياضة بالنسبة لرجل السياسة مقري؟

هناك عبارة حفظناها منذ الصغر "العقل السليم في الجسم السليم"، وأنا كطبيب أعرف جيدا قيمة الرياضة، كون الأمراض التي باتت تصيب الإنسان في أيامنا هذه مردها إلى انعدام النشاط الرياضي في حياته اليومية، وبالتالي أؤكد لكم أن النشاط الرياضي يقي ممارسها من الإصابة بعديد الأمراض، أذكر على سبيل المثال مرض "ملازمة الأيض"le syndrome métabolique، في هذه الحالة عند بروز البطن الشخص يصبح مريضا من دون ظهور أعراض المرض، حتى أكون أكثر بساطة هو أنه عندما يقوم بالتحاليل لن يجد أي أثر لعلة ما، لكن في الحقيقة هو مريض، نجد هذا المرض منتشرا بكثرة في المجتمع الأمريكي وبنسبة 40 من المائة منه، لذلك تعد البدانة من أمراض العصر، وهي السبب الرئيسي للوفيات في الولايات المتحدة، ولعلمك أن هذا المرض صار منتشرا في الجزائر وفي صمت، لذلك نلاحظ عديد الجزائريين يصابون بمرض الشرايين والقلب، والسبب عدم القيام بالنشاطات الرياضية والذي يعد العلاج الأول والأخير لهذه العلل، لذلك وكطبيب أنا على يقين أن الرياضة تنقض الحياة، بالعامية نقول "الرياضة تزيد في العمر"، فضلا عن ذلك فإن الرياضة تجعل من شيخوخة الفرد ممتعة وتمر من دون عناء.

وهل تمارس الرياضة؟

(يضحك).. مثلما تلاحظون جسمي "زفالت"، لأنني أمارس رياضة "الركض" أمام بيتي، وأحيانا أقوم بذلك على البساط المتحرك، أغتنم فرصة الفراغ دوما لممارسة الرياضة.

وكيف كانت طفولة السيد مقري إذا ما ربطناها بالرياضة؟

أتذكر جيدا في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات لما كنت في التعليم المتوسط، كنت أعشق كرة السلة ولا أعلم لحد اليوم السرّ في ذلك، أحببت هذه الرياضة منذ صغري، لدرجة أنني تمنيت أن أنصب سلة داخل البيت حتى أمارس هذه الرياضة يوميا، غير أنني مارست بشكل كبير كرة القدم في الشوارع على غرار كافة الجزائريين، كنت أقطن في حي "العرقوب" بالمسيلة، حي عرف إبان الحقبة الاستعمارية أنه كان مركزا للمجاهدين استشهد فيه أزيد من 50 شهيدا، وهو ذات الحي الذي ولد فيه الرئيس الراحل محمد بوضياف، كان جارا لنا، أذكر أننا كنا 4 أصدقاء لا نفترق عبد الرشيد، مروش محمد وطبيب عيون معروف في ولاية المسيلة، كنا نلعب الكرة يوميا، وبالضبط أمام منزل الوزير السابق للصيد البحري إسماعيل ميمون، الذي يعتبر لاعبا كبيرا، حتى أنه من عائلة كروية معروفة.

وماذا كنت تفضّل اللعب في الدفاع أم الهجوم؟  

في الحقيقة أعشق اللعب في الخط الأمامي، وبالضبط في الرواق الأيمن، أعشق الرقم 7، كنت معجبا بالنجم عمر بطروني، جيلنا بقي محتفظ بما فعله اللاعب في مشواره الكروي وبالضبط في نهائي 1975 بمناسبة ألعاب البحر الأبيض المتوسط أمام المنتخب الفرنسي.

وأين تابعت المباراة يومها؟

تابعتها في بيت خالي الذي كان الوحيد الذي يملك جهاز تلفزيون في الحي كله رفقة عائلة أولاد الشاوش، ولكم أن تتصوّروا كيف تابعنا اللقاء، "جمهور" غفير اكتظ بهم بيت خالي، التقينا كلنا عنده.

وما الصورة التي بقيت تحتفظ بها من ذلك النهائي أمام فرنسا؟ 

يكفي أن المباراة كانت ضد فرنسا، "الشحنة" كانت كبيرة كان يتوجب علينا الفوز بالمباراة، وعلى اعتبار أنني أنحدر من عائلة ثورية جدتي مثلا كانت ممرضة رحمها الله، أعمامي وأخوالي أيضا، وبالتالي بالنسبة لنا كانت مباراة الجزائر ضد فرنسا بكل ما تحمله العبارة من معان، لم تكن مباراة كروية فحسب، كانت بالنسبة لنا "معركة" كبيرة، والنجم ومن دون منازع كان عمر بطروني، أتذكر جيدا هذا الأخير، ومن ذلك الوقت صرت أحب اللعب في نفس منصب لاعب المولودية السابق.

وما الذي تحتفظ به من الجيل القديم من اللاعبين؟

زمان الكرة كانت "نيف"، متعة ورياضة الفقراء، الكل كان يلعب كرة القدم، لم نكن نملك الكرات، كنا نقوم بصنعها بواسطة قطع من القماش، المهم بالنسبة لنا كان لعب الكرة وفقط، على غرار بقية كل الأطفال في جيلي، كرة القدم في زماننا كانت تمتع فوق الميدان ومن على المدرجات، هناك فرق شاسع بين اليوم والأمس.

وهل كنت تتردد على ملاعب كرة القدم؟

بالطبع كنت أغتنم كل الفرص التي تتاح لي للذهاب إلى الملعب.

وما هو الفريق الذي كنت تتنقل لأجله إلى الملعب؟ 

في وقتنا كان فريقان يبرزان هما وفاق سطيف وشباب بلكور، والبيئة التي نشأت فيها كانت تشجع الوفاق، شباب بلكور أيضا كان محبوبا في "العرقوب"، لأن الفريق كان يضم خيرة لاعبي الكرة الجزائرية وقتها، يكفي ذكر لالماس، إضافة إلى كون شباب بلكور كان خزانا للمنتخب الوطني في وقت سابق، لذلك ستجد نفسك تعشق شباب بلكور رغما عنك، ونجوم الكرة الذين شرفونا في الستينيات كانوا في الشباب، وسطيف كانت قريبا إلينا أكثر.

وهو السبب الذي جعلك تتحدث كثيرا عن صالحي وكرمالي ولالماس وكالام وغيرهم؟

أكيد كانوا لاعبين كبار في الجزائر، كتبوا أسماءهم بأحرف من ذهب، كانت مشاهدتهم يلعبون متعة بالنسبة لنا.

ودوليا من؟

بيليه دون منازع.

وماذا عن مواجهة "الخضر" للمنتخب الألماني في مونديال إسبانيا 1982 كيف تابعت المباراة؟

كنت وقتها في الجامعة بسطيف، المباراة "باقية تاكل في قلبي لليوم"، لأن فترة المونديال تزامنت وامتحانات نهاية السنة وبالخصوص مواجهة ألمانيا أذكر كانت عشية امتحان مهم بالنسبة لي، وكنت في الحي الجامعي لم أتمكن من مشاهدة المباراة، لا زلت متأثرا إلى يومنا هذا، كانت مباراة خاصة بالنسبة للجيل الثاني بعد الجيل الأول في نهائي 1975، الحقيقة هناك فرق بين الجيلين، أتذكر العديد منهم لالماس، كالام، صالحي، بطروني وغيرهم، لكن في 1982 كانوا قلائل مقارنة بـ 1975، وكرة القدم كانت ظاهرة كبيرة.

وماذا عن التتويج بكأس أمم إفريقيا 1990؟

المرحوم عبد الحميد كرمالي "سرق " النجومية من اللاعبين الذي توّجوا بالكأس، كرمالي أصبح مشهورا أكثر كونه ساهم في إظهار جيل جديد من اللاعبين، كان رجلا بسيطا لكن مواقفه تشهد عليه أنه بطل رحمه الله، وما فعله في مشواره الكروي كلاعب أو كمدرب يبقى شاهدا على ذلك.

وبعدها دخلت الكرة الجزائرية في دوامة طويلة دامت قرابة 20 سنة؟

كل ذلك كان سببه الأزمة التي مرّت بها الجزائر في بداية التسعينيات، الأزمة ضربت كل القطاعات ليس الرياضة فقط، حتى نفسية المواطن لم تكن تشجعه لمتابعة مباراة أو شيء من ذلك القبيل، اللاعبون كذلك، الشعب الجزائري دخل في مأساة كبيرة كان همّه الوحيد "النجاة"، لذلك التفكير في الكرة لم يكن موجودا، كرة القدم كانت ضحية ولاحظتم أن الكرة عندنا تمشي بـ"نفحة" الشعب الجزائري، إذا كان الشعب مرتاحا فالأمور تكون إيجابية، أما في حال العكس فالكرة لا تعني شيئا بالنسبة له.

وما الشيء الذي ينقص الكرة الجزائرية حتى تتطوّر؟

الكرة في أيامنا صارت صناعة، يجب توفير المدارس الخاصة بذلك حتى يمكننا الاستثمار في الأطفال الصغار الذين سيكونون حملة المشعل، التكوين أساس كل شيء، يجب الاقتداء بالدول الأوروبية التي سبقتنا في ذلك، غير أن "الفساد" المنتشر في الرياضة يخفض من مستواها، في وقتنا الفساد كان منعدما لأن الرياضة كانت "نيف"، كانت "كفاحا"، ومع انهيار القيم في المجتمع تأثرت الكرة عندنا، الفساد أثر بشكل مباشر على الكرة.

نفهم من كلامك أن "الفساد" تغلغل في الاتحاد الجزائري لكرة القدم؟

ليست لدي خلفية في القضية أو تفاصيل فيها، لكن أقرأ عبر الصحف أن "الفساد راهو داير حالة".

هل نفهم أنك ضد السياسة الحالية لرئيس الاتحاد محمد روراوة؟

(يتنهد)..والله ما أراه اليوم أن الناس صاروا يحكمون عن النتائج، روراوة عندما يجني النتائج الايجابية فهو جيد ورائع، أما في حال حدوث العكس فهو سيء، وفي حال توالي الفشل تصبح المنظومة كلها فاشلة، ولابد من التغيير.

لاعبو المنتخب الوطني الحالي من مزدوجي الجنسية، هل تؤيد هذه السياسة؟  هو دليل مادي على أن الرياضة الجزائرية صارت لا تنتج، نحن مثل الاقتصاد المحلي، عملتنا الصعبة 98 من المائة منها كلها من الخارج، نفس الشيء بالنسبة للاعبين صرنا نستوردهم من فرنسا، لكن دون الإنقاص من قيمة هؤلاء الشبان الذين أعتبرهم جزائريين أحرارا، لا أمانع في ذلك، لكن يجب تحقيق التوازن في الأمر من خلال الاعتماد على اللاعبين المحليين لكن من دون مبالغة في الأمر، صرنا غير قادرين على صنع بلومي وماجر وهذا هو المشكل، لذلك أعيد وأكرر العودة إلى التكوين هو الحل، بلومي "عبقري" الفرصة لم تتح له، لم يكن يملك مناجيرا يسهل له الانتقال إلى ناد كبير، كان قادرا أن يكون ميسي زمانه.

مؤخرا مرت الذكرى السابعة للمواجهة التي جمعت المنتخب الوطني بنظيره المصري في اللقاء الفاصل بأم درمان، كيف عشت المباراة؟

(يضحك مطوّلا).."أم درمان لم تكن" لا كرة قدم ولا شيء آخر، كانت معركة كبيرة بيننا وبين المصريين، القضية قضية "نيف"، "حقرونا"، كانت لابد علينا الرد فوق أرضية الميدان، وكان ذلك ما حصل حقا بتأهلنا إلى كأس العالم 2010 بجنوب إفريقيا.

كيف استقبلت قرار رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة بإقامة جسر جوي نحو السودان؟

آه..كنت موافقا في الأمر مع السيد الرئيس الذي قرّر إقامة جسر جوي لدعم المنتخب الوطني في لقائه الفاصل أمام منتخب مصر بالسودان، "حقرونا يا خويا" لذلك ذهبنا للدفاع عن مناصرينا ولاعبينا.. لا يعقل الاعتداء على فريق وطني، المهم "رحنا للسودان وجبنا حقنا".

تابعت مواجهة "الخضر" أمام نيجيريا الأخيرة؟

تابعتها كلها كان الأمر مؤسفا، صراحة كنت أنتظر نتيجة إيجابية على غرار بقية الشعب الجزائري تعطينا الأمل في مواصلة السباق نحو المونديال، لكن ما حدث العكس، منذ البداية كانت الأمور تشير بأن "الخضر" لن يحققوا نتيجة إيجابية.

لديك أبناء يمارسون الرياضة؟

هم لا يمارسونها بل يتابعون كرة القدم دون انقطاع، وبالخصوص كلما يتعلق بريال مدريد وبرشلونة الإسبانيين، بيتي ينقسم هنا بين مشجعين لـ "الميرينغي" وآخرون لـ "البلوغرانا"، "ياو عندي لاليغا في داري".

وماذا تفضل الريال أم البارصا؟

الريال منذ صار زين الدين زيدان مدربا له، أنا مناصر جديد للنادي الملكي.

ماذا تفضل، التأهل إلى المونديال أم التتويج بكأس إفريقيا 2017؟

التأهل إلى كأس العالم لكن شريطة الذهاب بعيدا في المسابقة، لكن إن كان الأمر يقتصر على المشاركة فقط، فالتتويج بكأس إفريقيا في الغابون سيكون أفضل بالنسبة لنا.

ماذا إذا تزامن لقاء "الخضر" ونفس توقيت نشاطك الحزبي، كيف ستفصل في الأمر؟

حسب أهمية العمل، إن كان مهما لا أضيّعه، لكن "نجوزوها" مرات إن كان غير مهم، لست مجنونا على الكرة، لا أتحمّل الضغط خاصة مع طبيعة المباراة.

العنف؟

سببه انهيار القيم، الملعب صار بالنسبة للشباب متنفسا لإخراج كل مكبوتاتهم، الأزمة متعلقة بالقيم.


التعليقات(0)

اضغط مرتين على أي خانة كتابة لتظهر لوحة المفاتيح الافتراضية.
عدد الأحرف المتبقية 500

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة: